محمد الريشهري

3396

ميزان الحكمة

كما تفعل بالفراس ( 1 ) كذلك تفعلون بالناس ، فريقا تخطفون ، وفريقا تخدعون ، وفريقا تغدرون بهم ( 2 ) . - الإمام علي ( عليه السلام ) - يوما في مسجد الكوفة وعنده وجوه الناس - : أيها الناس إنا قد أصبحنا في دهر عنود ، وزمن شديد ، يعد فيه المحسن مسيئا ، ويزداد الظالم فيه عتوا ، لا ننتفع بما علمنا ، ولا نسأل عما جهلنا ، ولا نتخوف قارعة حتى تحل بنا . والناس على أربعة أصناف : منهم من لا يمنعه الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه وكلالة حده ونضيض وفره . ومنهم المصلت بسيفه ، المعلن بشره ، والمجلب بخيله ورجله ، قد أهلك نفسه وأوبق دينه لحطام ينتهزه أو مقنب ( 3 ) يقوده ، أو منبر يفرعه ( 4 ) ، ولبئس المتجر أن ترى الدنيا لنفسك ثمنا ومما لك عند الله عوضا . ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا ، قد طأمن من شخصه ، وقارب من خطوه ، وشمر من ثوبه ، وزخرف من نفسه للأمانة ، واتخذ سر الله تعالى ذريعة إلى المعصية . ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه ، وانقطاع سببه ، فقصرته الحال على حاله ، فتحلى باسم القناعة ، وتزين بلباس أهل الزهادة ، وليس من ذلك في مراح ولا مغدي ( 5 ) . وبقي رجال غض أبصارهم ذكر المرجع ، وأراق دموعهم خوف المحشر ، فهم بين شريد ناء ، وخائف مقموع ، وساكت مكعوم ( 6 ) ، وداع مخلص ، وثكلان موجع ، قد أخملتهم التقية ، وشملتهم الذلة فهم في بحر أجاج ، أفواههم خامرة وقلوبهم قرحة ، قد وعظوا حتى ملوا ، وقهروا حتى ذلوا ، وقتلوا حتى قلوا ، فلتكن الدنيا عندكم أصغر من حثالة ( 7 ) القرظ ، وقراضة الجلم ، واتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم ( 8 ) . - الإمام الكاظم ( عليه السلام ) - لهشام بن الحكم وهو يعظه - : يا هشام ! احذر هذه الدنيا ، واحذر أهلها ، فإن الناس فيها على أربعة أصناف : رجل متردي معانق لهواه ، ومتعلم مقرئ [ متقرئ - خ ل ] كلما ازداد علما ازداد كبرا ، يستعلي بقراءته وعلمه على من هو دونه ، وعابد جاهل يستصغر من هو دونه في عبادته ، يحب أن يعظم ويوقر ، وذو بصيرة عالم عارف بطريق الحق يحب القيام به فهو عاجز أو مغلوب ،

--> ( 1 ) الفريسة : ما يفترسه الأسد ونحوه . وفي بعض النسخ " بالفراش " . ( 2 ) البحار : 78 / 308 / 1 ، انظر الصديق : باب 2218 . ( 3 ) المقنب : جماعة من الخيل تجتمع للغارة جمع مقانب . كما في هامش البحار . ( 4 ) فرع الجبل : صعده . كما في هامش البحار . ( 5 ) المراح : موضع يروح القوم منه أو إليه ، والمغدي اسم مكان من الغدو . كما في هامش البحار . ( 6 ) المقموع : المقهور ، والمكعوم : الملجم . كما في هامش البحار . ( 7 ) الحثالة - بالضم - ما يسقط من قشر الشعير والأرز ، والقرظ - بالتحريك - : ورق السلم يدبغ به الأديم ، وقراضة الجلم يعني : " ريزه دم قيچي " . كما في هامش البحار . ( 8 ) البحار : 78 / 4 / 54 .